منتدى للدعوة الاسلامية
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رأينا دموعهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
دكتور وديع احمد
Admin


عدد المساهمات : 323
نقاط : 20364
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 31/08/2010

مُساهمةموضوع: رأينا دموعهم    الأحد ديسمبر 12, 2010 6:13 am

[color=red]رأينا دموعهم
قصص واقعية
يرويها:
أحمد محمد أبو الخير
"الإهداء"
إلى كل من ينتمي إلى الإسلام بالاسم لا بالحقيقة !!
إلى كل من لايزال يشعر بالدونية لما شرفه الله، وقدر له أن يكون مسلماً !!
إلى كل من تخاذل عن هذا الدِّين العظيم وعن تبليغه ونصرته ولو بالكلمة الصادقة، وقد علم أنّه الحق !!
إلى كل من جهل حقيقة هذا الدِّين، وما زال تائهاً في ظلمات الكفر والشرك والخرافة !!
إليهم جميعاً أهدي هذه القصص شفقة بهم، وأملاً فيهم أن يعيدوا النظر في أنفسهم .. وقبل فوات الأوان ..
ولات حين ساعة مندم .
تقديم
فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله بن هادي القحطاني
الحمد لله، كسانا الإسلام دون عناء، وهدانا إلى دينه دون تعب أونصب، فتحنا أعيننا ونحن نرى أهلينا ركعاً سجداً لله .. لم تلسعنا جمرة الكفر، ولم نشعر بضياع الروح، ومع ذا لم نذق لذة السجود لله عز وجل بعد أربعين أو خمسين سنة من الغفلة، والعيش في غياهب الضلال.
بين يدي القارئ الكريم قصص واقعية لكنها أقرب إلى الخيال، أبطالها رجال ونساء اشتروا الإسلام بكل ما يملكون، وأحياناً بأزواجهم وأبنائهم وعشيرتهم، آثروه على كل لذة ومتعة زائلة..
هجروا من أجله رفاق الصبا والأهل والوطن، حبهم لله ورسله أنساهم من سواهما .. صاغها مداد كان يراقب أحداثها عن كثب، ويعايش أصحابها عن قرب، رجل اختلط حب الدعوة ـ كما نحسبه ـ بشغاف قلبه، فانصب مداده عذباً فراتاً، إنه أخي أبو محمد .

أ.د. عبدالله بن هادي القحطاني 12/ 04 / 1428هـ

المقدمة
الحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وبعد:
نعجب والله لأمرهم !!
حتى أننا نحتقر أنفسنا أمامهم ..
يذكروننا بمقولة من يقول متفائلاً، أن مستقبل هذا الدِّين سيكون على أيدي المسلمين الجدد، ولا عجب في ذلك؛ فهم اليوم مشاعر حيَّة تجاه الإسلام، وطاقات متدفقة للعمل الدؤوب لتحقيق أكبر المكاسب له، تعيدنا الذكريات إلى سالف الأيام عندما اعتنقت ثلة من ضعفاء أهل مكة الإسلام على يد سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، ليُمسوا خلال لحظات نجوماً مضيئة في سماء الدعوة إلى الله ونصرة الإسلام، حملوا مشاعل هذا الدِّين على أكفهم، لينيروا للبشرية جمعاء دروب الحق والخير، رغم ما عـانوه في سبيل ذلك من أسياد الكفر ومن المنافقين والمخذلين من تحديات ومخاطر وصنوف العذاب والأذى ..
يارب فابعث لنا من مثلهم نفراً
يشيدون لنا مجداً قد أضـعناه
بين دفتي هذا الكتيب باقة أخرى من قصصهم، عشت أحداثها عن قرب ؛ فرأيت أن أحَدِّث بها رجاء المنفعة، وكُلِّي عجز وقصور عن شكره سبحانه على نعمه وأفضاله عليّ.
لذا أجدني رافعاً يديّ نحو السماء:
أسأله مغفـرة الـذنوب جميعها والسـتر للعـيوب
كما أسأله سبحانه أن يجزي والديَّ الكريمين خير الجزاء ( رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيْرَاً ) ، وأن لايحرم مشايخي وأساتذتي وكل من كانت له أدنى مساهمة في تعليمي وتوجيهي حسن الثواب وجزيل الأجر، أخص منهم فضيلة الأستاذ الدكتور عبدالله ابن هادي القحطاني، وفضيلة أستاذي الشيخ علي بن عبد الخالق القرني وفضيلة أستاذي الشيخ الدكتور يوسف بن عبد الله الوابل وفضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن علي أبوعشي، وجميع زملائي وإخوتي العاملين في الحقل الدعوي، حفظهم الله جميعاً.
ثم الصـلاة والسـلام أبداً تغشى الرسول المصطفى محمدا
ثم جمـيع صحــبه والآل السـادة الأئـمة الأبــدال
تـدوم سرمـداً بلا نفـاذ ما جـرت الأقـلام بالمـداد
ثم الـدعاء وصـية القـراء جميعهم من غـير ما اسـتثناء
أحمد محمد أبوالخير
khair99@gmail.com


ضحت بكل شيء كي تظفر بهذا الدين

"منى بانيكر" واحدة من آلاف العائدات إلى الإسلام، لكنها تختلف عن الكثيرات منهن، بل عن السواد الأعظم من بنات المسلمين اليوم..
تقول متحدثة عن قصتها، وكيف اهتدت إلى الإسلام: نشأت في أسرة عريقة معروفة بثقلها واعتبارها في النظام الطبقي الهندوسي السائد في الهند، وكانت طفولتي مشبعة بالذكريات الجميلة، لا أزال أذكر مُدَرِّسَتي وهي تسألني قائلة: ألا تعرفين البكاء؟!
كان كل شيء حولي يفرحني ويضحكني, وقد أكون مستغرقة في الضحك بينما الآخرون من حولي قد انتهوا منه منذ لحظات، لم يكن أحد يعرف ما يجري في داخلي وأنا أضحك وأتبسم، كنت أحب كل شيء في هذا العالم، حتى الآلهة والهياكل والمعابد أحببتها مع الزمن!
كان يُخيل إليَّ أن الأرض تتألم حينما أمشى عليها ..
وهكذا مرت الأيام؛ ليذهب عهد الصبا بأفراحه وأتراحه وأُصبح شابة يافعة، وبينما كان من هو في سنِّي يبحث عن العلاقات العاطفية الزائلة، كنت أتأمل وأبحث عن العلاقة الأبدية المستمرة.. تُرى ماهي هذه العلاقة الحقيقية التي تستحق الخلود؟!
لاأخالك تشك بأنها العلاقة الوثيقة بين العبد وربه، وبين الخالق ومخلوقه؛ فصاح في داخلي صائح كيف أعرفك يا خالقي؟
يارب دلني إليك .. ثم فكرت في شيفا Shiva وكرشنا Krishna و بوذا Buddha وراما Rama وفرماها Paramahamsan وغيرها من الآلهة التي تعبد من دون الله في بلادنا، هل هي تستحق أن نصرف لها صلواتنا ودعواتنا ؟! ثم فكرت في أولئك الأشخاص والرموز الكبار الذين ساهموا في منح أسباب النجاة للناس، فعلمت أن جميعهم أو أكثرهم قد فنوا وبادوا قبل أن يتمكنوا من منح النجاة الحقيقية الدائمة للبشر، فتيقنت أن ذلك ليس من شأن المخلوق، وأنها لا تنال إلا ممن هو باق؛ فلا يفنى ولا يبيد.. ولكن، أين هو؟
لم أكن أدري؛ فشرعت أبحث عنه في الكتب المقدسة لدي الهندوس والنصارى..
بحثت عنه في "رامايانا" Ramayana وفي "سم ويدا" SamaVeda و"أثر ويدا"Athara Veda و"راجا ويدا" Raja Veda و"يجور ويدا " Yajur Veda وفي العهد الجديد The Bible وفي غيرها من الكتب، ولكن دون جدوى..
ذهبت إلى معلمتي باحثة وسائلة، علَّها تخفف عني الحيرة وتدلني إلى الحق، ولكن ـ للأسف ـ فقد كانت هي الأخرى لا تعرف عن هذا الإله شيئاً !!
آلهة متعددة الأشكال والألوان، نراها ماثلة أمامنا صباح مساء، تُقدَّم لها القرابين، وتُصرَف لها الصلوات والعبادات..
ولكن..
هل يُعقل أن تكون كل هذه الآلهة تدبر أمر الخلق والكون؟!
جاء الجواب من الأعماق أن لا؛ فسقطت أمامي تلك الآلهة جميعها..
حينها نظرت إلى الأعلى، وتاقت نفسي لمعرفة خالقي الذي في السماء، وتمنيت أن أكون من فريق الأتقياء الحقيقيين!
كان الشعور بالتقصير تجاه خالقي يلاحقني؛ فسألت نفسي: إلهي ماذا علي أن أصنعه حتى أعرفك؟
وإلى أين أذهب؟
هل أذهب إلى كنيسة النصارى؟
أم إلى معبد الهندوس؟
أم أترك حياتي الزوجية والأسرية؛ لأتفرغ للبحث عنك؟!
إنني حائرة ياخالقي، ومستعدة للتضحية من أجلك.
تقول: ثم زرت الهيكل الهندوسي وارتميت على عتبته ولزمته، وعيناي تذرفان؛ وحالي: أين أنت يارب؟
هل أنت هنا ؟
ولكن ما هذه التماثيل والأصنام؟
لماذا هي شاخصة نحوي؟!
لا، لا.. ليس هذا ما أبحث عنه.
سألني زوجي: " ألست فرحة بحياتنا الزوجية ؟".
نظرت إليه بأسى.. وقلت في نفسي: ليتك تعلم ما أريد!!
كيف أبوح إليك بما في نفسي، وأنت ملحد لا تؤمن بدين، ولا تعترف بإله؟
أعاد عليّ السؤال، ثم استدرك قائلاً: إن أحزنك أمر فاصبري، وأنا أسعى لإسعادك قدر الإمكان.
جاء يوم عيد الهندوس " ويشو " Vishu ..
كان علي الذهاب إلى الهيكل برفقة أختي؛ فواجهنا أثناء الدخول إلى قاعة الهيكل ازدحاماً شديداً، وكنت خفيفة الوزن؛ فرفعني أحد الزائرين إلى القاعة، فلم أرَ فيها إلا صنماً ملوناً يحدق بي، فقلت في نفسي : هل أحتاج لرؤيتك يارب كل هذه المشقة والتعب، ألست يارب أنت الأعلى؟
حينها أردت الفرار فلم أستطع، فكتمت ما يدور بخاطري، ثم خرجت مع الناس، كانت تلك زيارتي الأخيرة للهيكل.
ما زلت واقفة على شاطئ بحر العلم بالله جل في علاه، أعُدُّ الأحجار والأصداف.. لم أغص أعماقه بعدُ.
إن كل ما في هذا الكون ـ من جمادات وشمس وقمر وإنسان وحيوان ـ شاهد على عظمة الخالق ووحدانيته.
نظرة من الإنسان إلى هذا الكون الفسيح كافية لإشعاره بمدى ضعفه، وافتقاره إلى خالقه.
لقد أودع الرب في الإنسان فطرة خاصة لمعرفته وطاعته، كما أودع فيه غرائز أخرى من شبهات وشهوات تثنيه عن قبول الحق، ليميز المؤمن من الكافر.
وفي عام 1403هـ شاءت إرادة الله أن أقدم إلى السعودية للعمل في مجال التمريض بإحدى مصحات منطقة عسير، فكانت فرصة سانحة لأكمل بحثي عن الحق؛ فشرعت أقرأ عن الإسلام واستمع إلى الأشرطة والمحاضرات، فوجدت ضالتي في الإسلام، والإيمان برب الأنام، ولكن ...
لكن الخوف من أهلي وزوجي كان مازال يلاحقني، ما جعلني كلما تقدمتُ خطوة إلى الأمام أتأخر أخرى.
وفي عام 1411هـ سألت نفسي: هل أنا مجرمة حتى أخاف؟!
ألست ألتمس النجاة الأبدية لنفسي؟
أليس الله سيتولى حمايتي إذا قدمت عليه ورجوته؟
كنت أعلم أن هناك تحديات كبيرة تنتظرني، ومخاطر جمة تحدق بي.. لكنني قررت أضحي بكل شيء في سبيل إرضاء خالقي .. والحال:

ربَّـاه ها أنــذا خلصت من الهـوى
واستقـبل القـلب الخـليُّ هـواكا
فاليــوم يـارب مسحتَ غشـاوتي
وبدأتُ بالقـلب البصــير أراكـا
يارب عـدت إلى رحـابك تائبــاً
مستسلمـاً متمسـكاً بعـــراكا
وتلمستْ نفسي السبيل إلى النجــاة
فلـم تجـــدْ منجى سوى منجاكا
وبحثتُ عن سر الســعادة جاهـداً
فوجـدت هذا السـر في تقــواكا
فليرض عـنِّي الناس أو فليسخـطوا
أنا لم أعد أسعى لغـــير رضـاكا
أدعــوك ياربي لتغفـر حــوبتي
وتعــينني وتمـــدني بهـداكا

تقول: لم أكد أنطق بكلمة التوحيد حتى جادت مقلتي بعبرات ساكبة غسلت في أعماقي أحزاناً وأشجاناً..
ليسكن بعدها الإيمان مكان الكفر..
والأمن مكان الخوف..
والسلامة مكان الوحشة..
فالله وحده هو من علم ما حصل لي بعد ذلك من السكينة والراحة..
يا الله أنت صاحب الفضل عليّ؛ فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى.
شرعت في أداء الصلوات، وأكثرت من الدعوات، وما أن علم أقربائي وعشيرتي بإسلامي، حتى تشاءموا منِّي، وجعلوني مجرمة لايمكن أن يغفر ذنبها..
سبحان الله !!
أليسوا قبيل لحظات كانوا يثنون عليَّ، ويمدحون فيّ رجاحة عقلي، وحسن خُلقي، وطيب معشري؟
ألم يكن الكل يخطب مودتي؟!
بلى..
إذاً لِمَ أصبحت الآن مجنونة، خائنة، سيئة الأخلاق؟!
علمتُ أن هذه سنة الله في دوام الصراع بين الحق والباطل..
أما زوجي الذي كان يتفانى في محبتي؛ فقد هددني بالقتل، وحرماني من طفلتي الصغيرة، وتوالت علي رسائل الترغيب والترهيب بطلب العودة إلى دينهم مرة، وبالتهديد مراراً..
وأمام هذه العاصفة الهوجاء منّ الله عليَّ بالثبات، بل تهافتت التحديات جميعها أمام نور الإيمان ..
وأما ناقصو الإيمان والمغرضون فقد عانيت منهم الأمرَّين..
وبالفعل؛ حُرمت من أهلي ومن طفلتي، وحُرمت من السفر إلى بلدي حتى هذه اللحظة، كانت ابنتي في عامها الثاني عندما اعتنقت الإسلام، وعمرها الآن عشرين عاماً، ولم أرها منذ تسعة عشر عاماً.
تقول ـ ودمعها ينساب ـ:
لاأستطيع هنا أن أخفي مشاعري تجاه إخواني الذين غمروني بنصحهم ومحبتهم في ذات الله؛ فهم أهلي وإخوتي وأهل مودتي، وهم الذين أحاطوني برعايتهم حتى أصبحت ـ بفضل الله ـ داعية إلى الإسلام .
غاية منايَ اليوم أن ألقى الله وهو راض عنِّي، وأن يمنّ على ابنتي بالهداية إلى الإسلام، وأن يعيدها عليّ وهو على ذلك قدير ..
وأظل دوماً عاجزة عن شكر الباري سبحانه وتعالى أن هداني ثم هيأني للقيام بواجب الدعوة إلى دينه، وبفضله سبحانه فقد أسلم لديَّ عشرات الأخوات من مختلف الجنسيات..
وأجدها فرصة للدعوة إلى الإتحاد ونبذ الفرقة والاختلاف.
إن أمتنا الجريحة الممزقة الأشلاء في أمس الحاجة اليوم إلى رصِّ صفوفها بالإيمان والعلم واليقين وحسن الظن بالله ووحدة الكلمة، حينها إن شاء الله لانعجز عن مجابهة قوى الظلم والبغي في كل مكان..
رباه ارزقنا فتوح العارفين وصحبة الصالحين وشهادة المجاهدين وعلوم الأنبياء والمتقين، وشفاعة سيد المرسلين، إنك على ذلك قدير.
للتأمل:
( أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) الأنعام 122




"مسك الختام"

الشيخ عماد المهدي " الشماس سابقا "

يبصر نور الإسلام بسبب والدته الكريمة

"الكفر ليل لا فجر له، وظلام لا إشراق فيه، أما الإسلام، فمِنّة الله العظيمة، ولو سجد أحدنا لله شكراً حتى يموت ما استطاع أن يوفي شكر هذه النعمة، فالمسلم الذي يعيش في ظل الإسلام قد لا يشعر بلذة هذه النعمة، بينما يدركها من كان محروماً منها ثم أكرمه الله بها".
بهذه العبارات بدأ الشيخ عماد المهدي حديثه عن إسلامه.
يقول: تتكون أسرتنا من أربعة أشخاص؛ وهم ابي وامي واختي وانا

كانت أسرة نصرانية متدينة تعتاد الذهاب إلى الكنيسة وتحضر قداسها في مواعيدها ـ الأحـد والجـمعة ـ ، وتؤدي جميع الطقوس داخلها من اعتراف ، أو تناول ، أو صلاة.
وكان والدي تاجراً للحبوب، وكانت أمي تعمل في مجال التمريض، وكنت دائماً أحب أن أكون مع والدي في الدُّكان وكنت أمارس البيع والشراء بمهارة كبيرة..
كما كنت قد عرفت بحسن الخلق وحسن التعامل مع الناس، والصدق، وهذا مما فُطرتُ ونشأت عليه بفضل الله عز وجل.
ومع مرور الأيام شعرتُ بتوجه أمي الحنون نحو الإسلام..
بدأت تنفر من النصرانية، بل والامتناع عن الذهاب إلى الكنيسة.
كان ذلك في وقت وافق فيه صيام شهر رمضان، الصيام عند النصارى ..
كان المسلمون يفطرون مع الغروب، بينما النصارى يفطرون عند ظهور أول نجم في السماء عند اقتراب المغرب.
لكن أمي كانت تنتظر سماع الأذان كي تُفطر !
تملكني العجب، ما جعلني أسألها ذات مرة: ماما، لم لا تفطرين عند ظهور النجم في السماء مثلنا، وتفطرين عند أذان المغرب؟!
قالت: لا تشغل بالك ياعماد.
علمتُ بعد ذلك أنها بسلوكها هذا تتجهُ إلى الإسلام، وتميل إليه وأنها كانت تصوم رمضان لا صيام النصارى لان صيام العذراء كانت منه ايام قليله متبقيه فى اوائل رمضان
بدأت أمي تواظب ـ عبر شاشة التلفاز ـ على متابعة برنامج "ندوة للرأي" لمجموعة من العلماء، وعلى متابعة درس الشيخ محمد متولي الشعراوي بعد صلاة الجمعة .
كانت تجلس أمام التلفاز صامتة كما لو أن طفلاً أمام والده، أو تلميذاً أمام أستاذه، حتى لو أنك حدثتها لم تجبك من شدة حرصها على متابعة الدروس.
ولما فكرت أمي في إظهار إسلامها جلست معي، وقالت لي بلهجة متغيرة وكأنها خائفة من شيء:" يا عماد، أنت ابني البكري الوحيد ولن أجد أحداً يسترني غيرك" !
فقلت لها: خيراً يا ست الكل.
قالت: أنت ابني الكبير وأول فرحتي في هذه الدنيا، لا يمكن أن تفكر في يومٍ تؤذي فيه أمك.
ثم قالت: ماذا تفعل ـ ياعماد ـ لو حاولوا قتلي .. ؟!
قلت: قتلك !!! من الذي سيقتلك ؟!!
قالت: إخوتي، وأبوك، وأفراد العائلة كاملة.
قلت لها: ولماذا، وأنت أفضل أخت لهم وهم جميعاً يحبونك؟
وبنظرة إلى عين أمي المملوءة بالدموع، قالت: ماذا تفعل لو صرت مسلمة!! هل ستحاربني مثلهم ؟
قلت لها: الأم هي الأم ، وأنت أمي في كل الأحوال .
ثم غلب عليّ البكاء وتعانقنا..
قالت: اجعل الموضوع سرّاً بيني وبينك .
هزني هذا الموقف كثيراً، لقد كان بداخلي أسئلة كثيرة تحيرني وأفكار عديدة تقلقني، وهواجس رهيبة تكاد تمزق قلبي !
****
وبعد أيام من هذا الموقف، دخلت البيت عائداً من المدرسة، فلم أجد أمي، ولم أجد ملابسها، ولم أجد أحداً في المنـزل!!
شعرت حينها بوحشة الفراق، "طبعاً، فراق الأم الحبيبة".
واستولى عليّ خوف شديد من المستقبل.
تمنيت أن لو كان ذلك حلماً لا حقيقة.
ذهبت على الفور لدكان أبي: "يا أبي، لم أجد أمي في المنـزل".
- لعلها عند إحدى صديقاتها.
- يا أبي، حتى ملابسها لم أجدها بالدولاب.
- ماذا تقول يا عماد ؟!
كررتُ عليه الكلام.
وهنا ازداد تعجبه فقام مندهشاً، وذهب معي إلى المنزل..
إنها الصدمة، أين أمك ؟ أين ؟ … أين ؟
واقسم لنا أنه لم يغضبها، وأنه لم يقع بينهما ما يوجب الخلاف..
سرعان ما شملت الصدمة جميع أفراد العائلة..
إنها أعلنت إسلامها، ولن تعود إلى البيت أبداً … !!
جُنّ جنون العائلة كلها، وفقدت توازنها..
صار الجميع يلعن الإسلام والمسلمين ..
وصار الجميع في حالة عصبية شديدة جداً، وانفعالية في الكلام حتى فيما بينهم، واعتبروها كارثة وعاراً أُلحق بالعائلة كلها.
أمي التي يحبها الجميع صارت تُشتم وتُسب بأفظع الشتائم من أقرب الأقارب والأخوال والأعمام..
كنت أسمع ذلك وأشاهده، ولا أستطع الرد ولا الدفاع عنها، ولكن العم كان يذهب إليها في الجهات المختصة ليوقع الإقرار تلو الإقرار بعدم التعرض لها.
وكان عندما يلقاها يستعطفها؛ كي تعود إلى ولديها لشدة حاجتهما إليه..
لكن أمي تركتنا وديعة عند من لا تضيع ودائعه، فهو سبحانه وتعالى خير حافظ وأفضل معين وهو أرحم الراحمين .
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصـبابة إلا من يعـانيها

رفضت إلحاح عمي بشدة بعدما ذاقت حلاوة الإيمان بالله العظيم، وحالها:
ومما زادني شـرفاً وفخـراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك ياعبادي وأن صيرت أحمـد لي نبيا
****
أرواحنا يارب فوق أكفنا نرجوا ثوابك مغنماً وجواراً
****
كنتُ أتردد على الكنيسة وأحضر جميع دروسها، وفي أحد دروس الثلاثاء تعرض القس لموضوع أمي؛ لأنه كان موضوع الساعة وقتها، والكل يتحدث عنه في الكنيسة.
فقال هذا القس: " تذكرون فلانة ـ وذكر اسمها ـ التي استسْلَمت للشيطان، وأعلنت إسلامها وخانت المسيح والمسيحية، وباعت أولادها، وباعت نفسها للمسلمين، وتركت الطهارة وذهبت إلى.....الخ، ما تفوه به من البهتان بغير وجه حق"
ثم قال:"هذه المرأة التي تركت المسيح الإله المخلص لهذا الكون، أراد المسيح نفسه أن يفضحها، وهي الآن ملقاة في السجن في قضية من قضايا الآداب .. !!!!!" .
هنا أصابني الذهول وكادت نظرة الحاضرين تقتلني، وكأنني ارتكبت أشنع الجرائم الأخلاقية، والعياذ بالله.
قلت في نفسي: هذا غير معقول؟ أمي تجازف بترك دينها وترك عبادة المسيح، وتتركنا هنا نواجه كل هذا البلاء ولا ذنب لنا.
كرهت نفسي وتمنيت أن لوكنت نسياً منسياً ..
خرجتُ من الكنيسة، وأنا في حالة حزن عظيم..
وبينما كنت أمشي إذ بي أسمع من يناديني: عماد "عمدة" .
التفت فرأيت أمي..
كانت تسير دائماً قرب منـزلنا لترانا أنا وأختي على حذر، وأرْسَلت امرأة من الجيران في منـزلنا لهذا الغرض، وعَلِمتْ أني في الكنيسة..
وكانت تنتظرني عند اقتراب موعد رجوعي منها كي تسعد بلقائي وتكتحل برؤيتي..
هذه هي الأم، صاحبة القلب الكبير، والإحساس المرهف الجميل، سحر ابتسامتها يملأ دنيانا إشراقاً وبهجة، ويضفي إلى حياتنا متعة ولذة، فيارب ارحمها وعلى البر بها وفقنا .
شَعُرت بصراع شديد في داخلي، ومجموعة من المشاعر المتضاربة، إنها أمي الحبيبة الحنونة ! ...
لكنها السيدة التي باعت المسيح .. ولا بد من الانتقام منها ...
التفتُّ لها، وقلت: متى خرجتِ من السجن؟
كان معها مجموعة من زميلاتها في مجال التمريض ولفيفٌ من الجيران المسلمين، وقالت: بل قالوا جميعاً ( سجن إيه ) ! أمك فضّلت الآخرة على الدنيا .
قالت أمي : " عمدة ابني حبيبي "، ألم أقل لك إنهم سوف يرمونني بالتهم، خذ هذه الورقة، فيها عنواني على أن تتعهد لي بأن لا تعطي هذا العنوان لأحد. وسلّمتُ عليها وقبلتها.
تركت أمي ورجعت إلى منزلنا المظلم ..
وبعد ستة أيام ذهبتُ لزيارتها في منـزلها فاستقبلتني استقبالاً رائعاً وجلستُ أنظر إلى منـزلها المتواضع ذي الفرش البسيط، ووسط هذه النظرات السريعة،كان المنادي ينادي : " الله أكبر ... الله أكبر ... الخ الأذان .
والله الذي لا إله غيره كأني أسمع هذا الأذان لأول مرة في حياتي، رغم سماعي له مئات المرات، ولكن كان لهذا الأذان في هذه اللحظة بالذات وقع عظيم في قلبي لم أشعر به من قبل.
قامت أمي من جواري على الفور، وذَهَبَتْ فتوضّأت ثم دخلت في صلاة المغرب، وجعلت تتلو القرآن بصوت مسموع، وكنت لأول مرة أسمع القرآن من أمي، إنها سورة "الإخلاص" ..
لا أستطيع أن أنسى حلاوة هذا الموقف..
تمنيت أن أجلس على الأرض وأقبل قدمَي أمي وهي تصلي، شعرت بشيء ما يغسل قلبي..
أحسست بشعور غريب، وكأن روح جديدة تسري في أركاني!!
غلب علي بكاء شديد من مدى الظلم الذي وقع عليها من ذاك القس في درس الثلاثاء الماضي..
تمنيت أن أرى هذا القس ليأخذ جزاءه مني؛ فقد اعتدى على أمي!! دون أي وجه حق..
لماذا يشوه سيرتها ؟!
أهذا عدل ؟
أبذلك أمر المسيح ؟
هل هذا هو القس الذي يعترف له المُذنب ؟
هل هذا هو قدوة المجتمع النصراني.. ؟!
كل هذه تساؤلات كانت في حاجة إلى إجابة ..
جلست مع أمي ما يقرب من ساعة ونصف، وأحضرت لي طعاماً وأكلتُ معها..
كانت الزيارة كأنها حلم جميل، وكان لها أبلغ الأثر في نفسي..
خرجت من عندها وأنا مرتاح القلب مثلج الصدر وعدت إلى المنـزل.
****
وفي اليوم التالي ذهبت إلى الكنيسة لحضور درس الثلاثاء.
كان المتحدث هو نفس القس، وأثناء المحاضرة أراد أن يكمل حديثه القذر عن هذه الجوهرة المصونة، عن أمي الطاهرة البريئة، قائلاً: "أما عن فلانة، فكنت عندها بالأمس، وقلت لها: يا ابنتي إن أولادك أحوج ما يكونون إليك، لكن للأسف ما زالت في السجن وبصعوبة كنت أتحدث معها بتوسع، لأنها في السجن، وما أدراكم ما السجن، وهذا جزاء كل بائع للمسيح وكل خائن" .
في هذه اللحظة كان كل فرد في الكنيسة ينظر إليّ بنظرات قاتلة..
لم أمتلك نفسي، فوقفت أمام هذا الطاغوت أحدثه بأعلى صوت: "كفاية يا أبونا "..
ثم وجهت كلامي للجميع، قائلاً: يا حضرات أنا كنت عند أمي في منـزلها بالأمس فهي لم تدخل السجن، وهذا الرجل كذاب.
انتبه إلي الجميع، يحاولون تهدئتي ويذكرونني بمكانة القس .
قال القس يخاطبني: ما لك يا عماد، عيب عليك، اسكت يا بني..
قلت: أنت كذاب .
ثم التفتُّ للجمهور، وقلت لهم: انظروا يا جماعة أنا كنت عند أمي في منـزلها بالأمس، وليس في السجن، وعندما سمعَت الأذان قامت وتطهرت وتوضأت وصلت ( منتهى النقاء )، والله رأيت في وجهها نضارة ما بعدها نضارة، وهاكم العنوان لمن يرغب في زيارتها، وأقسِم لكم أن آيات القرآن التي سمعتها منها كانت تغسلني وتطهرني من داخلي .
فقاطعني القس، قائلاً : اسكت يا ولد وإلا سأطردك خارج الكنيسة، والدك لم يستطع أن يربيك يا قليل الأدب .
قلت له: يا أبونا، هل أنت تتطهر للصلاة كالمسلمين؟
حينئذ جن جنون الجميع كبيراً وصغيراً اسودّت وجوههم وكشروا عن أنيابهم؛ فمن قائل: اسكت لقد جاوزت حدود الأدب..
ومن قائل: أنت قليل الأدب.
وانهال عليّ البعض بالضرب!!
أما القس فقد اسود وجهه وارتعشت يداه وظهر عليه الاضطراب والهزيمة والفضيحة.
وقال كلمته الأخيرة الدالة على ألم الهزيمة ومرارتها : اتركوا هذا الولد .. فقد أجرَت له أمه غسيل مخ .
****
خرجتُ من الكنيسة وأنا مرتاح البال، رغم أنني كنت خائفاً مما سيحدث بعد ذلك..
ظللت أبكي حتى توجهت إلى بيت أحد أصدقائي الأعزاء؛ ممن قويت صلتي بهم وتأكدت صداقتي معهم على مر الأيام، فلم أجده في البيت، ورأتني أمه على حالي التي كنت عليها، فرقّت لحالي وحزنت من أجلي، وقالت : "منها لله ، أمك هي السبب فلينتقم الله منها ".
كنت منـزعجاً جداً من كل ماجرى فأردت السكينة والهداية..
أمسكت الإنجيل لعلي أجد فيه مايرفع عني الكرب والغمّ الذي ألمّ بي، ولكن سرعان ما عدت إلى صوابي؛ هل هذا كتاب الله حتى أرجع إليه؟ ثم عدت ثانية إلى الإنجيل أمسكه..
ظللت ممسكاً به؛ فازدادت كآبتي، واشتد حزني!
حينها شعرت أنه كأي كتاب يحكي قصة شخص أكل وشرب ونام وفعل كذا وكذا من غرائب وخوارق العادات .
ثم سألت نفسي: من المتحدث في كل هذا ؟
ومن الذي كتب هذه الأخبار بعد رفع المسيح؟
ولماذا تعددت الروايات واختلفت واحتوت على الخرافات؟
شعرت بملل غير عادي من قراءته.
لكن حرصي على الوصول إلى الحقيقة دفعني لمزيد من المراجعة ومعاودة قراءته مرة أخرى.
وبعد أيام ذهبت إلى الكنيسة في قداس صباح الجمعة، وجاء دوري في الاعتراف، ووقفت أمامه، وقلت له: هناك أسئلة كثيرة أنا في حاجة إلى الإجابة عليها..
قال: وعدٌ مني يا "عماد أفندي" نجلس سوياً، وأجيب على جميع أسئلتك، ثم قرأ على رأسي بعض الكلمات ..
وبعد أيام أرسل لي القس هدية، وهي عبارة عن "صليب من الذهب الخالص" مع سلسلة عنق!!
وتغيرت معاملته معي، وصار يعاملني بأحسن ما يكون!
قال لي ذات مرة في لهجة حانية: أنا آسف يا ابن المسيح إذ ذكرت أمك، فأنت ابن المسيح وهو يحبك ونحن جميعاً نحبك.
ولم أكن أعلم أن الخبيث كان يدبر لي مكيدة للانتقام مني .
فقال لي: يا عماد أرسل لي أباك وعمك أريدهما في أمر يسعدك.
أخبرت أبي بأن القس فلان يريده في أمر ضروري.
فقال: لماذا ؟
قلت له: لا أدري، يُريد عمي كذلك.
فقال: سنذهب له يوم الجمعة القادم .
جاء يوم الجمعة فذهبنا أنا ووالدي وعمي إلى الكنيسة، حيث قداس الجمعة، وبعده التقى والدي وعمي مع القس، ولما هممت بالدخول في صحبتهما استوقفني القس، وطلب مني أن أنتظر خارج الغرفة؛ لأن الحديث في شأن هام جداً وخاص .
خرج والدي وعمي من الاجتماع، وهما في حالة حزن شديد!
سألت والدي عما حدث..
قال: إنه يُريدك أنت وأختك لتمكثا معه في الدير لمدة ثلاثة أيام..
استبشرت بذلك؛ لما يتمتع به ذلك الدير وذاك (الأنبا) من مكانة عالية في نفوس النصارى، وما في هذا الدير من كرامات.
قلت: ثلاثة أيام في ذاك المكان؟
قال: نعم، فأجبته بالموافقة.. طلب مني أن أستعد أنا وأختي هبة للسفر خلال يومين.. وكان والدي حزيناً على غير العادة..
وبعد يومين جاء الموعد .
قام والدي يساعدني في إعداد حقيبة السفر، لكني تعجبتُ لما وجدت والدي يضع كل ملابسنا في الحقيبة.
سألته: يا أبي لماذا تضع كل ملابسي ؟ ... إنها ثلاثة أيام فقط .
قال: ( عماد يا ابني )، ستعرف كل شيء..
ذهبنا إلى المطرانية في القاهرة، ثم انتقلنا إلى بني سويف، وفي الطريق سألته إلى أين نحن ذاهبون ؟ وعِنْدَ مَن ؟
قال: "هناك ستكونون في أحسن حال، وسأكون عندكم بعد أسبوع"، وإذ بوالدي يبكي محتضناً أختي الصغيرة "هبة"، ويقول: " منها لله "، أمك هي السبب .
****
وفي بني سويف ذهب بنا المطران إلى "بيت الشمامسة"، وكان منـزلاً قديماً .. وهناك ودعني والدي وأوصاني بأختي وانصرف.
أما أختي فقد ذهبوا بها إلى بيت الفتيات..
كان الموقف صعباً عليّ من أول لحظة، حيث المكان غير مريح، والصحبة سيئة، وبعد أيام، سألت المشرف: متى سنعود إلى المنزل؟
رد علي بأفظع مايكون، وكنتُ يومها محل سخرية الجميع .
حفظت أشياء خلف القسيس، وكان الكل يقول: إن هذا الشاب له مستقبل باهر في الحديث والمناقشة ..
ثم تم رسمي "شماساً " في بني سويف، وقُصَّ شعري على شكل صليب، وتمتم القس ببعض الكلمات..
صرت منذ تلك اللحظة حائزاً على درجة (شماس) داخل الهيكل.
بدأت الأيام تدور، وبدأتُ أتأقلم مع شباب البيت، وأصبحت محبوباً لديهم جميعاً لحسن تعاملي معهم.
مللت الحياة داخل البيت بسبب تعاليم النصرانية التي كانت تصب فوق رؤوسنا على غير شرح أو تعليل .
كتبت رسائل عدة لوالدي أشرح له فيها الوضع الذي أنا فيه من ألم وحزن شديد وغربة .. لكنها كانت دون جدوى!!
صدر قرار إداري من المطرانية في "بني سويف" بنقلي أنا وأختي فوراً إلى " بني مزار المنيا "، دون أن نعرف السبب..
جاء أحد القساوسة مخصوصاً من المنيا، وقال: أين عماد وأخته؟
وكان ذلك أول لقاء مع أختي هبة منذ ستة شهور!
تعانقنا معاً وبكيت من شدة فرحتي برؤيتها ولقائها..
سألتها عن حالها، فأخبرتني بأنها كانت أصعب حياة عاشتها، إذ كانت المشرفة تتعامل معهم بالعصا.
أخبرنا القس المرسل بأنه علم في بني مزار من الأنبا " مطران بني سويف " بأنني وأختي كنا غير مرتاحين في بني سويف .
نقلنا إلى " بيت النعمة " وهو فى الحقيقة "بيت النقمة"، وهو المعروف بمدرسة الأقباط الابتدائية المشتركة ، وفي الطريق سألت القس: متى سنرجع إلى والدنا ؟
قال: أظن أنه عيب عليك أنك تنظر إلى الدنيا بهذه النظرة، وأنت وُضِعت ضمن مجموعة لتكون مستقبلاً من القساوسة.
قلت له: وأختي هبة؟
قال: سوف تتزوج بعد سنوات عدة بقس طيب مثلي.
أحسست بأنه قد تم الحكم عليّ وعلى أختي بالسجن المؤبد..
رحب بنا القس، وقال للمشرفة: "أحضري لهم الطعام وأحسن الملابس، وخذي هبة لحجرتها مع زميلاتها، وأما عماد فيجلس في الطابق الأسفل مع أمير وسامح ورؤوف".
كان المنـزل أفضل بكثير من بني سويف، وكان لكل فرد سرير ودولاب منفرد به .
أحضرَتْ المشرفة بعض الملابس الجديدة، تعرفتُ على هذا الثلاثي، وكانوا في منتهى الأدب والأخلاق والاحترام، كان أمير وسامح أخوين، وكان رؤوف غريباً عنهم، أحببت هؤلاء جداً .
كان الكل يخاف من المشرفة العجوز التي حرمها الله من كل مسحة جمال أو خُلق، ونعتها بكل ما هو قاس وقبيح، إنها مخيفة حقاً، وعلى يديها شربت من المرّ ألواناً!! وعشت الصبر بكل معانيه، لدرجة أن سميتُ هذا البيت "بيت النقمة لا بيت النعمة"..
صرت أذكر الأيام التي عشتها في بني سويف بكل خير؛ فقد كانت أيامي فيها نعيماً قياساً على أيامي هنا بيت النعمة.
كانت هذه المرأة تتعامل معنا بالسياط الحامية، وكأننا في حديقة حيوان؛ كما عبرَّت ذات يوم بقولها: هؤلاء الحيوانات لا بد لهم أن يتربوا بهذه الطريقة!!
كانت هذه المرأة تراقبنا وقت تناول الطعام وتلاحقنا بأوامرها، ولم يكن غريباً أن تأمر أحدنا أن ينهض ويترك الطعام دون أن يشبع إذلالاً له وإهانة لكرامته أمام زملائه!!
وأما أختي هبة فقد قصوا لها شعرها، وأخبروها بأنه سيتم تزويجها على الفور عندما تبلغ الخامسة عشر..
وذات يوم جاء القس الكبير يتفقد أحوالنا فكانت الشمطاء تتعامل في منتهى الأخلاق مع الشباب والفتيات أمامه .
سألني القس يوماً .. كيف حالك ؟ هنا أحسن من بني سويف؟
قلت: إن " بني سويف" كانت أرحم بكثير من هنا.
قال متعجباً: ولماذا .. ؟!
قلت له: هذه المرأة هي السبب؛ لأنها تتعامل معنا كما لو أنها تتعامل مع حيوانات، لا تتعامل معنا إلا بالعصا.
نظر إليها القس نظرة كلها لوم، وقال لها: أهذا الكلام صحيح ؟
قالت: أنت عارف إن الأولاد يكذبون .
قال : .... لا .. !!
مكثَتْ هذه المشرفة تعاملنا بأفضل ما يكون، وما أن سافر القس إلى المنيا، حتى رجعت أسوء ما يكون ومعي أنا بالذات.
لم أجد سبيلاً للهرب من البيت، فقد كانت الحراسة مشددة ..
لم يكن أمامي إلا كتابة رسائل لوالدي، أشرحُ له ما أنا فيه وأستعطفه لينقذني أنا وأختي من هذا الكرب الشديد.
مرت الشهور كأنها سنين.. مضى حوالي خمسة أشهر أخرى في بني مزار، وقد أصبت خلالها بالمرض والهزال، وذات يوم تحدّثت المشرفة معنا بشدة؛ فلم أتمالك نفسي، وقلت لها: "ربنا ينتقم منك".. وكان قد وقع منها ظلم على أحد الزملاء في الغرفة..
فما كان منها إلا أن قامت على الفور وأحضرت العصا، وأخذتُ يومها " علقة موت "...
بعدها بقليل رأيت العم فهمي حارس المنـزل يهرول نحوي، ينادي: عماد ... يا عماد... قلت : نعم ياعم فهمي.
قال: أبوك خارج المنزل جاء ليراك أنت وأختك هبة.
رفعت صوتي بكلمة الله ... الله، هل أنت صادق؟
قال: أبوك والله يا ابني .
خرجتُ مسرعاً نحو الباب، وإذا بوالدي واقفٌ..
لم أتمالك نفسي إلا وأنا بين أحضانه أبكي بكاء شديداً..
(كده يا بابا، إحنا عملنا إيه فيك .. ) !!
بكى الوالد بكاء شديداً جداً، ثم نظر إليّ، وسألني عن أختي..
قلت له: لا أدري.
قال: ( إزاي وليه الضعف ده مالك أنت مريض) .
نظرت له نظرة لوم وعتاب ولم أتكلم .
كان أثر السياط من ضرب المشرفة لا زال على جسدي..
فلما رأى ذلك، قال متعجباً: لا يمكن أن يكون إنسان قد فعل بك هكذا.
توجه غاضباً نحو المشرفة، وقال: أين أبونا فلان .
قالت : هو في المنيا .
قال لها الوالد: لو سمحت استدعيه حالاً .
قالت: هو مشغول، ويمكنك أن ترى ابنك ثم ترحل مع ألف سلامة!
قال الوالد: أنا لا أريد أن أسمع صوتك لأنك امرأة عديمة القلب..
قالت المرأة مقاطعة كلام الوالد: كيف تتحدث معي كده ؟
قال الوالد ـ مقاطعاً كلامها ـ : لا أريد أن أسمع لك صوت، أحضري القس (فلان ) فوراً، وأنا جالس هنا ولن أذهب إلا بعدما أرى أبونا فلان ...
قامت المرأة على الفور وتحدثت مع القس عبر الهاتف.
فقال لها القس: ليجلس الرجل في غرفة عماد، وسأكون عندكم في الصباح الباكر.
وفي الصباح حضر القس، وأحضر معه إفطاراً ..
وبعد تناوله، قال له الوالد: أريد أن أخذ أولادي معي.
قال القس: أسف، ولا أريد كلاماً كثيراً في هذا الموضوع.
فأقسم الوالد إن لم تحضر عماد وهبة وملابسهما سأقوم بكسر كل شيء في هذا البيت على رأسكم.
وقام بتهديد القس، قائلاً: سوف أذهب الآن إلى محافظ المنيا حتى أفضح أموركم عند المسلمين..
ثم قال:"ومش كده وبس إن خرجت أنت يا سيد (القس) من البيت سليم يكون ده فرج من الله ".
فما كان من القس إلا أن قال منادياً على المشرفة أن تحضر ملابس عماد وهبة فوراً .
ولما رأى والدي المشرفة، قال متهكماً : أسألكم سؤالاً ياملائكة الرحمة: هل أمر المسيح بضرب الأولاد بهذه الصورة القذرة.. ؟!!
تعجب القس، وقال لها: ألم أقل لك لا تضربي الأولاد ؟
خرجنا بعد وداع أبكاني على أمير وسامح ورؤوف الذين خلفتهم في هذا السجن الرهيب، ولا أنس آخر كلمة قالوها لي: أتمشي وتتركنا في العذاب مع صاحبة القلب القاسي.
وفي الطريق إلى مدينتنا أخبرني والدي أن أمي قد ماتت منذ حوالي ستة أشهر في حادث سير .
وكانت الصدمة عنيفة، ما جعلني أصاب بالذهول..
بكيت كثيراً من هول الفاجعة ..
وصلنا إلى ديارنا، و بعد مُضي أربعين يوماً من ذلك، بينما كنت في الدكان وحدي، سمعت صوت أمي: عماد يا عمدة ..
ارتميت في حضنها ما يُقارب نصف ساعة وأنا أردد كلمة: ماما على قيد الحياة ؟ الله أكبر !!
وحينها أيقنت أن والدي أخفى عني الحقيقة حتى لا أفكر فيها!!
أخذت منها عنوانها الجديد، وبعد أيام قليلة قمت بزيارتها فرحبت بي وأخذتُ أختي بعد ذلك لها لتمكث معها بعض الأوقات..
علمت بعد ذلك أن موضوع سفرنا كان مؤامرة خطط لها القس!
وبعد فترة أرسل القس نفسه رسالة لي، يقول: تعال ومارس مهامك كشماس داخل الكنيسة .
ووجدت أن هذا طلب الجميع لي، وكان كلما رآني أحد من عائلتي، يقول: لماذا لا تمارس مهامك في الكنيسة؟
مكثت عدة قداسات قليله، ولكني لم أطق هذا العمل أبداً.
طلب مني أن أكون مدرساً للأطفال في مدارس الأحد فرفضت.
وبعد إطلاعٍ متكرر للإنجيل كان لي هذا الحوار مع مجموعة من الشباب داخل الكنيسة..وكان ذلك قبل إسلامي بسنة وأربعة أشهر.
قلت: ماذا تقولون في رجل زنا ببناته؟
قال واحد: كافر .. !
قال الآخر: ابن الـ ... !
قلت: وإذا كان الذي فعل هذه الفعلة نبي من أنبياء الله، وذكرت هذه الواقعة في الكتاب المقدس ؟!!
صرخ في وجهي شاب، وقال: هذا افتراء وكذب وبهتان عظيم على الكتاب المقدس .
لاحقه آخر، وقال: هات هذه الآية إذا كنت صادقاً حقاً .
قلت: هذا دليلي، افتح معي الإنجيل في سفر التكوين:" (وصعد لوط من صوغر فسكن في مغارة بالجبل هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ. وليس في الأرض رجل ليدخل علينا. هلمي نسقي أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي:، فَتَعَالَيْ نسقيه خمرًا الليلة أيضًا. وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. فحبلت ابنتا لوط من أبيهما. )
وإذا وضعنا في الاعتبار أن من مهام لوط عليه السلام القيام بتطهير قومه من آفة الشذوذ الجنسي، وقع في وهمنا أن هذه القصة المفتراه أريد بها الاحتجاج على ( الطهارة ) وتبرير الانحراف !!
وان مما يدعو إلي الدهشة والغرابة أن دعوة لوط في جوهرها هي دعوة للطهر والعفاف ومحاربة الشذوذ الجنسي والرذيلة والفجور الفاحش إلا أن الكتاب المقدس وصمه بما جاء ليطهر الناس منه !!!
هذا وقد شهد بطرس في رسالته الثانية [ 2: 7 ] شهد لنبي الله لوط بالبر والصلاح والاستقامة فهو يقول: ( وَإِذْ حَكَمَ اللهُ عَلَى مَدِينَتَيْ سَدُومَ وَعَمُورَةَ بِالْخَرَابِ، حَوَّلَهُمَا إِلَى رَمَادٍ، جَاعِلاً مِنْهُمَا عِبْرَةً لِلَّذِينَ يَعِيشُونَ حَيَاةً فَاجِرَةً. وَلَكِنَّهُ أَنْقَذَ لُوطاً الْبَارَّ، الَّذِي كَانَ مُتَضَايِقاً جِدّاً مِنْ سُلُوكِ أَشْرَارِ زَمَانِهِ فِي الدَّعَارَةِ. فَإِذْ كَانَ سَاكِناً بَيْنَهُمْ، وَهُوَ رَجُلٌ بَارٌّ، كَانَتْ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ تَتَأَلَّمُ يَوْمِيّاً مِنْ جَرَائِمِهِمِ الَّتِي كَانَ يَرَاهَا أَوْ يَسْمَعُ بِهَا. وَهَكَذَا نَرَى أَنَّ الرَّبَّ يَعْرِفُ كيف يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ الْمِحْنَةِ، ] ترجمة كتاب الحياة
فكيف يتفق هذا مع ما جاء في سفر التكوين من أن لوط شرب الخمر وسكر وتعرى وزنى مع أبنتيه الكبرى والصغرى ؟!
قلت للشباب: ماذا تقولون في نوح؟
قالوا : إنه نبي من أنبياء الله المحببين إليه .
قلت : أتدرون ماذا يقول الكتاب المقدس عنه؟
سكت الجميع ولم يرد أحد!
قلت : (وَاشْتَغَلَ نُوحٌ بِالْفَلاحَةِ وَغَرَسَ كَرْماً، وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خَيْمَتِهِ، فَشَاهَدَ حَامٌ أَبُو الْكَنْعَانِيِّينَ عُرْيَ أَبِيهِ، فَخَرَجَ وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ اللَّذَيْنِ كَانَا خَارِجاً. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ رِدَاءً وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا الْقَهْقَرَى إِلَى دَاخِلِ الْخَيْمَةِ، وَسَتَرَا عُرْيَ أَبِيهِمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدِيرَا بِوَجْهَيْهِمَا نَحْوَهُ فَيُبْصِرَا عُرْيَهُ. وَعِنْدَمَا أَفَاقَ نُوحٌ مِنْ سُكْرِهِ وَعَلِمَ مَا فَعَلَهُ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ قَال: لِيَكُنْ كَنْعَانُ مَلْعُوناً، وَلْيَكُنْ عَبْدَ الْعَبِيدِ لإِخْوَتِهِ». ثُمَّ قَالَ: تَبَارَكَ اللهُ إِلَهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْداً لَهُ. لِيُوْسِعِ اللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي خِيَامِ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْداً لَهُم )
ان هذه القصة من افتراءات كتبة الكتاب المقدس على أنبياء الله واتهامهم بارتكاب الكبائر، وهي تفضح عنصرية اليهود البغيضة حيث قصدوا بهذه القصة اللعنة إلي الكنعانيين سكان فلسطين قبل اليهود، ونسبوا أنفسهم إلي سام وادعوا اختصاصهم بذلك ليتسنى لهم ادعاء حق السيطرة على الكنعانيين وأرضهم فلسطين. ولنا على هذه القصة المكذوبة عدة ملاحظات تفضح افتراءها منها:
_ كيف يلام حام وهو لم يفعل شيئاً يستحق اللوم عليه إضافة إلي أنه كان طفلاً صغيراً...؟
_ وكيف يلعن نوح كنعان بن حام _ الذي سيولد بعد 20 سنة ؟... فما ذنب كنعان ؟ وكيف يتحمل ذنب أبيه _ إن كان لأبيه ذنب ؟( أضف الى ذلك : كيف سماه نوح بالاسم الذي لم يكن معروفا حتى تلك اللحظة) ؟
- أليس الكتاب يقول بر البار يكون له وإثم الفاجر يكون عليه
سكت الجميع ولم أجد أحداً يعلق على هذا !!!!!.
****
علم والدي أنني أزور أمي من حين لآخر؛ فاستدعاني ذات مرة وقال لي: هل عاودت زيارة أمك ؟
قلت له: نعم.
تعجب الوالد فسألني مندهشاً : لماذا ؟
قلت: ألم تكن هي سبب ما حدث لنا في بني سويف والمنيا ؟
قال: نعم ربنا ينتقم منها .
قلت له: لذلك أزورها لأنتقم منها، ولأنها خانت المسيح والمسيحية.
قال لي: كيف ذلك ؟
قلت له: اصبر وسترى بنفسك.
قال: "ربنا يصلح حالك، لكن خد بالك منها" .
سُررت لاقتناعه بهذا، وصرت أقوم بزيارة أمي على مرأى الجميع.
مكثت فترة طويلة أتعلم من أمي الإسلام وآدابه، وأدرس القرآن، وكان بجوار منـزلها مسجد، إمامه هو الشيخ حسين أحمد عامر "أبو أحمد "ـ رجل فاضل يتحلى بأخلاق الإسلام في تعامله مع الجميع ـ تعرفت على هذا الأخ الكبير الحنون، وتعلمت على يديه الكثير والكثير، وكان له الفضل الأول بعد الله في صعودي المنبر بعد ذلك، بارك الله فيه وفي أولاده، ورزقه الإخلاص في القول والعمل.
ألممتُ بتعاليم الإسلام الأولية، وأخذت قسطاً من الثقافة الإسلامية، صرت أستطيع الرد على أي شخص فيما يتعلق بأمور الإسلام، قلت لأمي: لقد آن الأوان أن أعلن إسلامي.
وكانت حكيمة في ردها ـ بارك الله فيها ـ حينما قـالت: لتسلم أختك هبة قبلك، لأنك لو أسلمت قبلها ستضيع، وستلقى عندهم الكثير من الشقاء وبلا هوادة.
هذا الكلام أشعرني بالخوف على أختي ما دفعني لمساعدتها .
وبعد هذا الحديث بفترة يسيرة رأيت مع أختي صـورة للمسيح ـ أخذتها من الكنيسة ـ وهو طفل رضيع في مذود البقر ، وحوله البهائم.
فقلت لها: هل يليق بالمسيح أن يولد وسط الحيوانات؟ أم يولد في بيت متواضع مثلاً إذا كان هذا من باب التواضع ؟
وكدت أطير فرحاً حين سمعتُ في نهاية حديثي معها أنها راغبة في اعتناق الإسلام مثل أمي.
وهكذا شرح الله صدرها، فأعلنت إسلامها ونطقت بالشهادتين.
وبعد هذه الرحلة الشاقة الطويلة ذهبنا لنعلن إسلامنا أمام الجهات المسؤولة، فوجدنا معاناة شديدة جداً من المسؤولين من مناقشات طويلة وضغوط عنيفة من النصارى .
انقلبت كنائس النصارى في بلدنا، ولم يصدق الكثيرون أن "عماد" الذي تنبأ له القس أنه سيكون قسيساً في يوم ما، قد أسلم، لكن الله غالب على أمره..
فهو سبحانه يعز بفضله من يشاء، ويذل بعدله من يشاء، يجعل من يشاء سعيداً ويجعل من يشاء شقياً ..
أعلنا ـ بفضل الله ـ إسلامنا وسط حفاوة رائعة من الإخوة المسلمين جزاهم الله خيراً وأحسن إليهم.
****
وذات يوم وبينما كنت أسير مع مجموعة من زملائي المسلمين رأيت القس الذي تحدث عن أمي بعد إسلامها، والذي دبر لي مؤامرة سفري إلى بني سويف، كان يسير في الشارع ومعه مجموعة من الشباب النصراني..
اقتربت من القس وحييته..
فقال لي بلهجة كلها انفعال: أهلا يا ابن المسيح الضال .
قلت له: دعك من هذه الخرافات، وفكر فيما يدور حولك، هل تعلم أنك على ضلال ؟
قال القس: بعت دمك ـ يا عماد ـ عند المسلمين علشان تعرف تأكل .
فقلت له: هل تعرف أن البابا تزوج؟!
فقال: البابا لا يتزوج .
فقلت: سبحان الله، البابا لا يتزوج، والإله يتزوج وينجب ابناً !!
عجباً لكم تحرّمون هذا الأمر على البابا وترضونه للإله !! ضحك الجميع مسلمون ونصارى، واسودّ وجه القس ... !!
****
بقي الوالد مع زوجته التي تزوجها بعد رجوعنا من بني مزار .
بدأت أزوره فكان ينهرني المرة تلو المرة حتى أصبحت الآن أحب شيء إلى قلبه.
صار لايذهب إلى الكنيسة!! ولم يعد يصوم صومهم..
زهد الدنيا، لم يعد ينظر حتى إلى دكانه..
لا زلت أحاول إقناعه باعتناق الإسلام، وأنا أحوج ما أكون لدعاء إخوتي بأن يفتح الله على قلبه ليبصر نور الإسلام عاجلاً.
****
يقول، وقد اغرورقت عيناه بالدموع: إن هذه الأحداث التي أحدثها لكم تتمثل أمامي في وقت وحين، وهي كالجرح العميق.. وذكرياتها مؤلمة قاسية، لكنها تضمحل وتتلاشى كلما تذكرت نعمة الله علي بالإسلام، وكلما تذكرت التضحيات التي قدمها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أكمل الله على يديه الدين وأتم النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، لقد استطاع بصبره وسماحته ونزاهته وتواضعه أن يهدي أمة بأكملها وجعلها تجنح للسكينة والسلم أزماناً ودهوراً، فبأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه..
إنك إن قرأت سيرة الحبيب ثم جئت على خاتمتها ستجد نفسك قد تمزق قلبك من لوعة الحزن على فراقه، فبفراقه انقطع عنا الوحي المبين.
وفي عالم مليء بالأحزان والنكبات ما أحوجنا اليوم أن نعود إلى سنته وسيرته نستلهم منهما الدروس والعبر ثم نجدد العهد مع الله سبحانه عائدين إليه متمسكين بدينه، حينها بإذن الله سنبدأ مرحلة جديدة من مراحل القوة والعزة والنصر المبين..
وماذلك على الله بعزيز .
( تعليق للدكتور وديع : لقد مات والد عماد قبل أن يعلن إسلامه , و بكاه عماد كثيرا و حزن عليه بشدة )

للتأمل:
(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(*) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) التوبة 128
خاتمة الكتاب

تصحيح :
42: التنصير بدلا من التبشير
[/color][size=18][/size
]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dr-wadee3.alafdal.net
 
رأينا دموعهم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الدكتور وديع أحمد :: قصص :: قصص اسلام اخرين-
انتقل الى: